غياث الدين منصور دشتكي شيرازي

47

تحفة الفتى في تفسير سورة هل أتى

من الجواهر الغريرة ، « 1 » ممّا يتّخذ منه الملوك الأواني من آلات الشّرب وغيرها ، وكان مع ذلك لها البياض الّذى هو أشرف الألوان المشرقة ، عبّر بها عمّا ناسبها من الجواهر المعقولة . واعلم أنّه عبّر بالطّواف ، عمّا يحصل للنّفوس الكاملة ، من تلك المشاهدة والمقابلة الّتى تجرى مجرى المرايا العالية للمرايا السّافلة . وعبّر بالآنية « 2 » والأكواب عن المبادى العالية الّتى هي مقرّ العلوم والمعارف ، تنبيها على ذلك ، قوله تعالى : قَدَّرُوها تَقْدِيراً أي : أشكالا مختلفة بالقلّة والكثرة . والمراد أنّه حصل لكلّ منهم ، من المعارف والمشاهدات لتلك الصّور البهيّة والمطالع العليّة ، حصّة بحسب ما انتهى إليه ، « 3 » طوق إمكانه . أي : قدّر لهم الطّائفون « 4 » ذلك التّقدير المختلف بحسب اختلاف إمكاناتهم . ونبّه بقوله تعالى : قَوارِيرَا قَوارِيرَا ، على وصفين : أحدهما ؛ أنّ تلك الجواهر العقليّة ، وإن كان لها لون الفضّة ، فإنّها مع ذلك في صفاء القوارير وشفافها . وهو إشارة إلى براءتها عن كدورات علائق الجسمانية . والثّانى ؛ أنّه ، بتأكيده ، نبّه [ 28 ر ] على أنّها مقرّا لعلوم الحقيقية ، قرارا لا يتبدّل ولا يتغيّر بحسب تغيير المعلومات . فإن قلت : الطّائف بالحقيقة ، مغاير لما يطاف به . وأنت عبّرت بما يطاف به عن المبادى العالية ، والطّائفون ، أيضا ، عبارة عن تلك الجواهر كما في قوله تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ « 5 » . وهذا يقتضى أن يكون الطّائف غير المطاف به . « 6 » قلت : كشف هذا السّر يستدعى تطويلا ، إلّا أنّا نقول إنّ الطّائف هناك هو بعينه المطاف به وتغاير النّسب لا يوجب الكثرة . بيان ذلك : أنّ تلك الجواهر العقلية لما كانت مشاهدة للنّفوس المستكملة الإنسانية ، ومقابلة لها مقابلة المرايا العالية للمرايا السّافلة ، كانت تلك المرايا العالية ، ذواتها وما فيها من الموجودات ، منقّشة متصوّرة بها المرايا السّافلة . فالطّواف والمطاف به والطّائف عبارة عن معنى واحد ، وإن كانت « 7 » الاعتبارات « 8 » بسبب الطّواف والطّائف والمطاف به متغايرة . ثمّ أقول : من رأس المبادى العالية أنوار متعددة ، متكثّرة ، مترتّبة لها أظلال . فإشراقها على

--> ( 1 ) . الف : العزيزة . وجه غرير : حسن . به نوجوان غير مجرّب نيز غرير گفته مىشود . لسان العرب ، 5 / 16 . ( 2 ) . الآنية : جمع الإناء . مثل الإله والآلهة وجمع الآنية : الأواني والآوان . لسان العرب ، 12 / 25 و 14 / 48 . ( 3 ) . الف : - اليه . ( 4 ) . الف : الطائفين . ( 5 ) . واقعه : 17 و 18 . ( 6 ) . ش : - به . ( 7 ) . ش : كان . ( 8 ) . ت : العبارات .